الشيخ عبد الله العروسي
53
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية
وقصدنا المضي إلى مقصدنا ( فدلونا على الطريق فمضيت وحججت ، ثم رجعت معتذرا إلى الفقير ) . في ذلك دلالة على أن العبد إذا كره شيئا ألزمه به غيره من الإخوان يتحمل مشقة تعاطيه وإن كانت نفسه تكرهه لعدم اعتياده به ، فهذا الفقير لما رأى ابن خفيف وما هو من أثر الجوع أكرمه بأطيب ما يقدر عليه لحسن ظنه به ، فلما رأى ابن خفيف اللحم متغيرا تركه فظن الفقير أنّه إنما تركه زهدا وتخفيفا على الفقير فأخذ لقمة بها لحم وجعلها في فمه فتكلف أكلها وظهر عليه آثار التكلف والفقير على نيته ولم يتجسس فناوله أخرى فلم يمكنه تركها ومضغها وتغير حاله منها ، وفطن الفقير لتغيره وتألم لذلك واحتشم وفطن ابن خفيف لما تأذى به الفقير وخرج من عنده وسافر وهو متألم لكونه لم يتكلف بلعها ، ولم يظهر للفقير شيئا يؤذيه بقي متجسسا لما يجريه اللّه عليه أدبا في ذلك حتى أخذه الجوع مع أصحابه إلى أن اشتروا كلبا من بعض البوادي وشووه وأعطوه منه قطعة فأكلها بفاقة الجوع فوقع في قلبه لو كنت فيما وقع لك من الفقير جائعا لما تأذى منك باللحم الذي قدمه لك وتأدب كما تقرر .